الشيخ محمد رضا مهدوي كني

191

البداية في الأخلاق العملية

والذنوب الكبيرة . ولا يجوز ما لم تكن هناك ضرورة ومصلحة مهمة « 1 » . ونستعرض أدناه الحالات التي يجوز فيها الكذب انطلاقا من الضرورة أو

--> ( 1 ) والمدهش في الامر انّ الغزالي وبعد اعتقاده بأنّ الكذب يؤلف موضوع الأحكام الخمسة ، يقول : « اعلم انّ الكذب ليس حراما بعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره » ، ثم يقول : « الكلام وسيلة إلى المقاصد ، فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا ، فالكذب فيه حرام ، وان أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المقصود مباحا ، وواجب ان كان المقصود واجبا . كما أنّ عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو اصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلّا بالكذب فالكذب مباح » . ( احياء العلوم ، ج 3 ، ص 137 ) . وقد أورد المرحوم الفيض الكاشاني كلام الغزالي أعلاه بدون ان يوجه اليه أدنى نقد واعتراض ( المحجة البيضاء ، ج 5 ، ص 243 ) . ولكن كيف يمكن تصديق تجويز مفكرين كالغزالي والفيض الكاشاني قول الكذب لبلوغ الأهداف غير الضرورية مع انّ الرسول محمدا ( ص ) يقول : « اجتنبوا الكذب وإن رأيتم فيه النجاة فانّ فيه الهلكة » ( مستدرك الوسائل ، ج 2 ، ص 100 ) ، ما لم يكن الغزالي يؤمن بمبدأ « الغاية تبرر الوسيلة » ، وهو أمر مستبعد منه ؟ ومع افتراض عدم قبولنا بالحسن والقبح الذاتيين وأخذنا بمبدأ نسبية الأخلاق ، لكن كيف يمكن مع كل هذه الآيات والأحاديث التي تنهى عن الكذب بشكل مطلق ، تجويز الكذب من اجل الوصول إلى غاية مباحة وغير ضرورية ؟ في حين حتى على صعيد الاعمال الواجبة والضرورية لا يجوز الكذب إلّا إذا كان ذلك الأمر الواجب من الأهمية بحيث لا يرضى الشارع المقدس بتركه . بل حتى في حالات دفع الضرر ، لا يجوز الكذب إلّا إذا كان ذلك الضرر من الأهمية بحيث لا يمكن تجاهله ، ولا يجوز الكذب في غير ذلك . فهل من اجل حفظ مقدار تافه من مال الدنيا ، بامكان المرء ان يقسم كاذبا ؟ وهل يمكن التوسل بالكذب على صعيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فندعو الناس إلى المعروف وننهاهم عن المنكر من خلال الوعود الزائفة ؟ ! انا اعتقد انّ هذه أمور لا يمكن التساهل فيها ، ولا يمكن فتح باب الكذب بوجهها بدون ضرورة ، وربما لهذا السبب بالذات نجد الغزالي يقول في خاتمة البحث وعلى سبيل الاحتياط : « إلّا انه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن لأنه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه وإلى ما لا يقتصر فيه على حد الواجب ومقدار الضرورة » . ثم يقول : « فكان الكذب حراما في الأصل إلّا لضرورة » . واعتقد ان قول الغزالي الأخير يمثل عين الحقيقة ، إلّا ان هذا الأصل يتعارض وللأسف مع ما أورده في مطلع البحث . واللّه أعلم بالصواب .